فخر الدين الرازي
64
تفسير الرازي
الحكم الخامس قوله تعالى * ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالاَْقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) * . اعلم أن قوله تعالى : * ( كتب عليكم ) * يقتضي الوجوب على ما بيناه ، أما قوله : * ( إذا حضر أحدكم الموت ) * فليس المراد منه معاينة الموت ، لأن في ذلك الوقت يكون عاجزاً عن الإيصاء ثم ذكروا في تفسيره وجهين الأول : وهو اختيار الأكثرين أن المراد حضور أمارة الموت ، وهو المرض المخوف وذلك ظاهر في اللغة ، يقال فيمن يخاف عليه الموت : إنه قد حضره الموت كما يقال لمن قارب البلد إنه قد وصل والثاني : قول الأصم أن المراد فرض عليكم الوصية في حالة الصحة بأن تقولوا : إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا قال القاضي : والقول الأول أولى لوجهين أحدهما : أن الموصي وإن لم يذكر في وصيته الموت جاز والثاني : أن ما ذكرناه هو الظاهر ، وإذا أمكن ذلك لم يجز حمل الكلام على غيره . أما قوله * ( إن ترك خيراً ) * ( العاديات : 8 ) فلا خلاف أنه المال ههنا والخير يراد به المال في كثير من القرآن كقوله : * ( وما تنفقوا من خير ) * ( البقرة : 272 ) * ( وإنه لحب الخير ) * ( العاديات : 8 ) * ( من خير فقير ) * وإذا عرفت هذا فنقول : ههنا قولان : أحدهما : أنه لا فرق بين القليل والكثير ، وهو قول الزهري ، فالوصية واجبة في الكل ، واحتج عليه بوجهين : * ( الأول ) * أن الله تعالى أوجب الوصية فيما إذا ترك خيراً ، والمال القليل خير ، يدل عليه القرآن والمعقول ، أما القرآن فقوله تعالى : * ( فم يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) * ( الزلزلة : 7 - 8 ) وأيضاً قوله تعالى : * ( لما أنزلت إلي من خير فقير ) * وأما المعقول فهو أن الخير ما ينتفع به ، والمال القليل كذلك فيكون خيراً . الحجة الثانية : أن الله تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر ، بدليل قوله تعالى : * ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً ) * ( النساء : 7 ) فوجب أن يكون الأمر كذلك في الوصية .